أحمد بن ابراهيم النقشبندي
12
شرح الحكم الغوثية
بذلك أبا مدين ، فقال لهم : دعوه فإنه سيسلب ما وهب ، فسلب والعياذ باللّه المكاشفة ، وصار كأحد العامة بتغيّر قلب الشيخ . وكان رضي الله عنه جعل كتاب الإحياء نصب عينيه . وكانت تقرأ رسالة الأستاذ القشيري رضي الله عنه بين يديه ويفيض عليه من أنواع المعارف ما لا يوجز من العلوم اللّدنية . فهو يوما لما انعقد المجلس فيما حدث عنه الثقاة وأراد القارئ على العادة أن يبدأ بالقراءة ، فنظر إليه الشيخ ، وقال له : أمهل ! ثم التفت إلى رجل وإذا هو آت بنية الاعتراض والانتقاد على الشيخ ، فقال له : لم جئت ؟ قال له الرجل : جئت لأقتبس من أنوارك ، قال له : ما الذي في كمك ؟ قال له : المصحف ، قال أبو مدين : أخرجه ، فأخرجه الرجل من كمه ، قال له : اقرأ أول سطر ، ففتحه وقرأ أول سطر . فإذا فيه مكتوب : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 92 ] . قال له الشيخ أبو مدين : أما يكفيك هذا ؟ فتاب الرجل مما اعتقد ، ولما كمل مرغوبه من القراءة على أشياخه ، وانفتحت بصيرته ، واستنارت سريرته ، وكان على بينة من ربه ، ومات بعض أشياخه ، وانتقل إلى البلاد المشرقية ، فلقي بها الأشياخ المقتدى بهم ، واقتبس من أنوارهم ، واستفاد من زهّادها ، وأخذ من أعلام علمائها وأوليائها ، ثم إنها عرفته بالشيخ الماجد المعلم ؛ فصيح اللسان ، والقلم راسخ الجنان ، والقدم تاج العرفين أبي محمد عبد القادر الجيلاني ، فقرأ عليه بالحرم الشريف كثيرا من الحديث ، وألبسه خرقة التصوّف ، وأودعه كثيرا من أسراره وحلّاه ملابس أنواره . ويحكى : إن سيدي أبا مدين كان يفخر بصحبته بسيدي عبد القادر ، ويعده من أفضل مشايخه الأكابر ، ثم رجع إلى المشرق وأنواره زائدة في الشروق . وكان يتردّد في إفريقيا ، ثم لما كان آخر حاله استقر ببجاية ، فحببها اللّه له .